Skip to main content
فتيات فلسطينيّات أثناء عبورهنّ في محيط "قبر يوسف" (القبّة البيضاء) في مخيّم بلاطة. 1.11.2017
Menu
المواضيع

روتين الاحتلال في مخيّم بلاطة للّاجئين، قرب نابلس: يرافق الجيش كلّ زيارات المصلّين اليهود إلى "قبر يوسف" يفرض قيودًا مشدّدة على السكّان الفلسطينيين ويذيقهم الأمرّين

تقع منطقة "قبر يوسف" عند الأطراف الشرقيّة لمدينة نابلس محاذية مخيّم بلاطة للّاجئين. تقرّر في اتّفاقيّات المرحلة الانتقالية (اتفاقيّة أوسلو) اسثناء محيط قبر يوسف لتشكّل جَيبًا إسرائيليًّا داخل المنطقة A. مرّة كلّ أسبوعين وفي الأعياد مرّتين أسبوعيًّا يرافق الجيش جولات ليليّة يشارك فيها مئات المصلّين اليهود المتوجّهين إلى محيط قبر يوسف. أثناء الجولات يفرض الجيش قيودًا شاملة على حركة السكّان الفلسطينيين في المنطقة جاعلاً منهم أسرى داخل بيوتهم؛ وفيما يرشق شبّان من مخيّم بلاطة للّاجئين الحجارة نحو المصلّين وقوّات الأمن يردّ الجنود بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع الذي ينتشر بين البيوت ويتسرّب إلى داخلها بل وأحيانًا يطلق الجنود الرصاص تجاههم. في بعض الحالات أصيب شبّان خلال المواجهات.

هذه الجولات تجعل حياة السكّان جحيمًا لا يطاق: واقع أنّ الجولات تنظّم في ساعات الليل تحديدًا يقضّ مضاجع السكّان نظرًا إلى الضجيج الذي يسبّبه المصلّون وجلَبَة المواجهات. كلّ دخول للمستوطنين يلازمه قلق السكّان ومخاوفهم - عائلات بمن فيها من أطفال وعجائز ومرضى يضطرّون إلى حبس أنفسهم داخل بيوتهم.
 

Thumbnail
فتيات فلسطينيات يمشون بجانب "قبر يوسف" (القبة البيضاء) في مخيم بلاطة 1.11.17

في الأشهر ما بين آب وتشرين الأوّل 2017 وثّقت بتسليم عددًا من زيارات المستوطنين إلى محيط قبر يوسف شارك في كلّ منها مئات المصلّين. عشرات الجنود الذين رافقوا المصلّين أغلقوا مداخل المنطقة وقيّدوا حركة السكّان داخل مخيّم اللّاجئين. سلمى الدبعي الباحثة الميدانية لبتسيلم سجّلت إفادات عدد من سكّان المنطقة سنفصّلها هنا لاحقًا.

طيلة السنين تفضّل إسرائيل مصلحة المصلّين الإسرائيليين على حقوق السكّان الفلسطينيين وبضمنها حقّهم في العيش الآمن وسلامة أجسادهم وإدارة حياتهم المعتادة. ترتيب الأفضليّات على هذا النحو لا يقتصر على ما يجري في محيط قبر يوسف: منذ خمسين سنة تدير إسرائيل في الأراضي المحتلّة روتين عُنف يوميّ. في إطار ذلك تعمل جميع السلطات الإسرائيلية متجاهلة الفلسطينيين - الذين يجري إقصاؤهم عن عمليّات صُنع القرار، رغم أنّها تمسّ حياتهم. 

حين يجتمع معًا غياب التمثيل السياسيّ للفلسطينيّين ونجاعة جهاز تطبيق القانون الإسرائيلي الدائمة في منع اتّخاذ إجراءات بحقّ المعتدين عليهم فلا حدود للعُنف (الفيزيائيّ والإداريّ) المستخدَم ضدّهم والضرر الذي يطال كلّ جوانب حياتهم - بلا سبب أحيانًا وبذرائع أمنيّة واهية أحيانًا أخرى؛ ولكن في كلّ الأحيان أساس العنف والضرر الناجم عنه هو الأفضليّة العلنيّة لتلبية احتياجات إسرائيل وخدمة مصالحها. هكذا هو الحال في جميع أنحاء الأراضي المحتلّة وهكذا في الحالة التي أمامنا، حيث يُفرض أمرٌ واقع على سكّان مخيّم بلاطة للّاجئين. وكما يظهر بوضوح في إفادات الشهود يتميّز هذا الواقع بانعدام يقين دائم يحيط بحاضر السكّان ومستقبلهم بخصوصيّة منتهَكة وحياة عارية تمامًا يمكن اقتحامها في كلّ لحظة.  
 

عامر صقر (38 عامًا) صاحب مخبز من سكّان مخيّم عسكر للّاجئين - شرقيّ نابلس، تحدّث عن دخول الجنود المتواتر إلى المخيّم وأثر ذلك على عمله:   

أسكن أنا وعائلتي في مخيّم عسكر للّاجئين وأذهب كلّ يوم إلى المخبز الواقع على الشارع الرئيسي المؤدّي من مخيّم بلاطة للّاجئين إلى نابلس وقرى شرق نابلس. في العادة نصل أنا والعمّال إلى المخبز في الساعة الثالثة قبيل الفجر ونباشر العمل فورًا. ولكنّنا نعاني في السنوات الأخيرة من دخول الجنود برفقة المستوطنين إلى قبر يوسف مرّة كلّ أسبوعين تقريبًا. عندما يدخل الجنود ينتشرون في كلّ مكان ولا نتمكّن من الوصول إلى مكان العمل في الموعد. إنّهم لا يسمحون لأحد بالعبور. نُجبر على البقاء في منازلنا إلى ان يغادر الجنود أو نبحث عن طرق بديلة للوصول إلى المخبز. وحتّى حين ننجح في الوصول لا نستطيع فتح المخبز نظرًا لقربه من مركز الأحداث. عندما أفتح المخبز بعد انتهاء المواجهات أجده مشبّعًا بروائح الغاز فأضطرّ إلى فتح جميع الأبواب والانتظار إلى أن تتلاشى الروائح لكي نبدأ العمل. التأخّر في فتح المخبز يسبّب تأخيرًا في إعداد العجين ومن ثمّ تأخيرًا في وصول الخبز إلى السكّان وبالتالي هم يبحثون بدائل في أماكن أخرى. في نهاية الأمر لا يُباع الخبز الذي أعددناه فأضطرّ إلى بيع جزء منه بسعر الخسارة وتوزيع الجزء المتبقّي على الفقراء. 

نور دويكات (58 عامًا) متزوّجة وأمّ لخمسة أولاد تسكن على بُعد نحو خمسين مترًا من المدخل الشمالي لمخيّم بلاطة للّاجئين. في إفادتها التي أدلت بها لبتسيلم يوم 12.9.2017 قالت: 

في28.8.2017 قرابة الساعة 23:50 ليلاً سمعت صوت جلبة خارج البيت. كان ابني قد أخبرني من قبل أنّ المستوطنين سيأتون لزيارة قبر يوسف والصلاة هناك. عادةً يأتي الجنود قبل وصول المستوطنين وينتشرون في محيط القبر وجميع أنحاء المنطقة الواقعة إلى الشرق منه ثمّ يأتي المستوطنون بعد ذلك بساعتين تقريبًا.

أكثر ما يزعجني صوت إطلاق الرّصاص وقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع. الغاز رائحته فظيعة وأخاف أيضًا أن يختنق أحدهم بسببه فأقوم بإغلاق جميع نوافذ البيت وأشغّل المكيّف حالما أعلم بوصول الجنود. في الماضي قبل الشبكات الاجتماعية لم نكن نعلم مسبقًا عن دخول الجيش ولكن اليوم نحن نعلم بذلك عبر الشبكات الاجتماعية وهكذا يمكننا أخذ احتياطاتنا - نهتمّ بالعودة مبكرًا إلى بيوتنا وعدم التأخّر في الخارج؛ نُبلغ الضيوف عن الأمر لأنّه قد حدث في الماضي أن كان لدينا ضيوف واضطررت لإخراجهم عبر طرق التفافيّة؛ وعندما يطلب أحفادي المبيت عندي أقول لهم أنّي أرحّب بهم في كلّ يوم ولكن ليس في يوم وصول المستوطنين. 
 

ريما دويكات (47 عامًا) متزوّجة وأمّ لأربعة تسكن في مخيّم بلاطة للّاجئين حدّثت في إفادة أدلت بها يوم 12.9.2017:

רימא דוויכאת. צילום: סלמא א-דיבעי, בצלם, 1.11.17

في 28.8.17 قرب منتصف الليل سمعت ضجّة كبيرة في الشارع وقدّرت بأنّ الجنود قد وصلوا. فهمت أنّنا لن نستطيع النوم في هذه الليلة. لا أقدر على النوم بوجود الجنود بسبب الضجّة التي يثيرونها عندما يمشون حول البيت وبسبب إطلاق النيران وقنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت التي يقذفونها. أحيانًا يأتي الأولاد إلى غرفتي ويقولون لي: "ماما، الجنود على الدّرجات قبالة بيتنا"، ويبقون معي في الفراش لأنّهم يخافون. أخشى أن يطرق الجنود بابنا بعُنف ويرعبوا أولادي لانّ غرفتهم عند مدخل البيت بالضّبط. في العاة، عندما يدخل الجنود المنطقة نبقى مستيقظين أنا وأولادي ولا نستطيع النوم حتّى يغادر الجنود. في معظم الأحيان يبقون حتّى ساعات الصباح الأولى وعندها فقط أنام. 

عندما أستيقظ في الصباح وأفتح النوافذ يكون الجوّ ما زال مشبّعًا بروائح الغاز. عدّة مرّات سقطت قنابل الغاز في حديقة بيتنا ورغم أنّنا نغلق النوافذ لا تنفكّ الروائح تتسرّب إلى البيت وتزعج.

ما أن يلحظ الشبّان وجود الجنود في المخيّم يبدأون في رشق الحجارة نحوهم وعندها تندلع مواجهات في المنطقة كلّها. لا يمكن أن يمرّ وجود الجنود دون مقاومة من جانب الشبّان. هم أيضًا يشعلون الإطارات وهذا يزعجنا كثيرًا ناهيك عن أنّنا نخشى أن يصاب أحدهم. نحن نشعر كما لو كنّا أسرى أو رهائن داخل بيوتنا ولا نعرف كيف ستنتهي الليلة. هذه المعاناة مستمرّة منذ سنين. يأتي الجنود لكي يؤمّنوا وجود المستوطنين ونحن نُجبر على حبس أنفسنا داخل بيوتنا وكأنّنا في سجن. هذا ليس عدلاً أبدًا. 

سمر عميرة (43 عامًا) متزوّجة وأمّ لخمسة تعمل في مركز التنسيق في المخيّم وتسكن في الطرف الشرقي من مخيّم بلاطة للّاجئين. في إفادتها التي أدلت بها يوم 28.9.2017 قالت:

في يوم 28.9.17 قرابة الساعة 1:00 استيقظت على صوت ضجيج وعرفت فورًا أنّ الجنود موجودون في الحيّ. نهضت فورًا وأغلقت النوافذ في جميع الغرف لئلّا يتسرّب الغاز المسيل للدموع. سمعت صوت طلقات وعندها استيقظ أولادي جميعًا - وتتراوح أعمارهم بين 8 و-17 سنة. اقترب ولداي - 13 و 16 عامًا - من النوافذ وأرادا فتحها لمشاهدة ما يجري في الخارج لكنّي صرخت عليهما ليعود كلّ منهما إلى فراشه.

كلّما دخل الجنود إلى المخيّم لحماية المستوطنين يتكرّر الأمر نفسه - تبدأ المواجهات وأدخل أنا في حالة خوف وتوتّر. أنا أمّ وخوفي ليس على نفسي وإنّما على أولادي. الكبار يريدون الخروج والانضمام للمواجهات والصغيرتان سيرين وليان ترتعدان خوفًا ولا تقدران على النوم. تخافان أن يدخل الجنود إلى البيت أو أن يصاب أحد أفراد العائلة. وأنا أجد نفسي متمزّقة بين الكبار والصغار ولا أعرف ماذا أفعل. أظلّ مستيقظة طيلة الوقت أتابع ما يحدث وأتابع أولادي. لا أهدأ إلاّ بعد أن يخلد جميعهم إلى النوم. فقط عندئذٍ أكون متأكّدة من أنّهم لن يخرجوا إلى الشارع أو لن يقفوا قرب النوافذ فيتعرّضوا لنيران الجنود. 
قرابة الساعة 5:30 شاهدت في الفيسبوك أنّ الجنود غادروا المخيّم. أيقظت أولادي الصغار لكي يذهبوا إلى المدرسة. رائحة الغاز كانت في كلّ مكان. ذهب أولادي إلى المدرسة وتوجّهت أنا إلى مكان عملي في مركز التنسيق في المخيم. طيلة النهار كنت أنظر إلى الساعة انتظرت انتهاء دوامي لكي أعود إلى البيت وأنام. 
 

يوم الأربعاء الموافق 1.11.2017 دخل الجنود إلى المخيّم قرب منتصف الليل وتطوّرت مواجهات بينهم وبين الشبّان. فريال دويكات أرملة في الـ53، تسكن وحدها في نابلس في منزل يبعد نحو مائة متر عن قبر يوسف. نحو الساعة 4:00 صباحًا استيقظت من نومها على صوت تحطّم زجاج ورائحة غاز مسيل للدموع تملأ منزلها.

في إفادة أدلت بها يوم 1.11.2017 قالت فريال: 

Thumbnail

بعد منتصف الليل بقليل كنت في المطبخ أعدّ لنفسي كأس بابونج. سمعت ضجّة آتية من الشارع وعندما نظرت عبر النافذة رأيت عددًا من الشبّان في الشارع وسيّارات شرطة فلسطينيّة تمرّ هناك. فهمت أنّه من المتوقّع دخول المستوطنين - في العادة يغادر أفراد الشرطة الفلسطينية قبل وصول الجيش بقليل. الجيش يأتي أوّلاً ثمّ يليه المستوطنون الذين يأتون للصلاة في قبر يوسف.

قلت لنفسي أنّنا لن ننام في هذه الليلة - بسبب ضجيج المستوطنين وشبّان المخيّم وإطلاق النيران وروائح الغاز المسيل للدموع. قرابة الساعة 3:15 قُبَيل الفجر أطفأ المستوطنون الأضواء التي يجلبونها معهم لإنارة الشوارع. اطمأنّيت وأخذت في الاستعداد للنوم. غفوت لفترة قصيرة جدًا. في الساعة 4:00 صباحًا استيقظت على صوت تحطّم زجاج. رفعت رأسي ولكن لم أقدر على رؤية شيء. البيت كلّه كان مليئًا بالدّخان. اختنقت وظننت أنّ بيتي يحترق. بصعوبة بالغة تمكّنت من ارتداء عباءة طويلة فتحت باب البيت وأخذت في الصراخ طلبًا للنّجدة. اتّصلت برمزي ابن أخي الذي يسكن قريبًا منّي وطلبت أن يأتي هو وزوجته لنجدتي نظرًا لكونهم قريبين منّي. بعد ذلك مباشرة انهرت وتهاويت أرضًا ثمّ نهضت مجدّدًا بصعوبة كبيرة. حاولت المشي ووقعت مرّة ثانية. في هذه الأثناء وصل رمزي وزوجته وساعدوني على النهوض. 
 

رائدة دويكات (41 عامًا) متزوّجة وأمّ لخمسة حدّثت في إفادتها عمّا جرى عندما وصلت إلى منزل فريال: 

لم أعرف ماذا أفعل. كلّ المنطقة كانت مليئة برائحة الغاز المسيل للدموع. كانت دموعي تسيل بلا توقّف وأخذت في السّعال. خرجت سريعًا إلى الشارع الرئيسي. رأيت سيّارة شرطة فلسطينية كانت قد وصلت بعد انسحاب الجيش والمستوطنين. طلبت منهم المساعدة فقالوا إنّهم قد طلبوا سيّارة إسعاف؛ ربّما لأنّهم سمعوا صراخ فريال وفهموا أنّ هناك مصابين من الغاز فالرّائحة كانت في كلّ مكان. 
بعد وقت قصير وصلت سيّارة الإسعاف وسيّارة إطفائيّة. حاولت في هذه الأثناء مساعدة فريال بالبصل والماء ولكن وضعها كان صعبًا. عندما وصلت سيّارة الإسعاف نقلها الطاقم إلى داخل السيارة ووصلوها بالأكسجين. قالوا إنّهم يريدون نقلها إلى المستشفى ولكن فريال رفضت. خافت على منزلها إذ إنّها اعتقدت بأنه يحترق. لكن تبيّن لاحقًا أنّ الدخان سببه قنبلة غاز اخترقت الشباك وسقطت في صالون المنزل. رأيت قنبلة غاز أخرى عند مدخل المنزل. 

بعد أن تحسّن وضع فريال قليلاً غادرت سيارة الإسعاف المكان. نحن بقينا معها في الشارع قرب مدخل البيت. لم يستطع أحد دخول المنزل حتى الساعة 6:00 صباحًا. في الصباح دخلنا وفحصنا وضع المنزل. تناولت فريال دواءها إذ تعاني من الضغط منذ عدّة سنوات. حتّى بعد مرور ساعتين كانت رائحة الغاز لا تزال في المنزل. 

المكان