Skip to main content
جميل الأقرع، حين أدلى بإفادته أمام الباحث الميداني من بتسيلم، بضعة أشهر قبل وفاته. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 3.5.2017
Menu
المواضيع

لا يُعالَجون - تمنع إسرائيل مرضى في حالة حرجة من تلقّي العلاج الطبّي خارج قطاع غزّة

فاتن أحمد، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين في قطاع غزة، توفّيت في آب الماضي، عن عمرٍ ناهز 26 عامًا، نتيجة إصابتها بمرض السرطان. خلّفت فاتن وراءها زوجًا وولدين (أحمد، 5 سنوات؛ ورتاج ابنة سنة واحدة). اكتُشف مرض السرطان عندها قبل ذلك بسنة، ولكن العلاجات الطبيّة التي احتاجتها لا تتوفّر في مستشفيات قطاع غزة. توجّهت فاتن إلى مستشفى المطّلع (أوغوستا فيكتوريا) في القدس الشرقية وخلال السنة قدّمت إلى إسرائيل تسع طلبات لتصريح خروج من القطاع، ولكن تمّت الموافقة على طلب واحد فقط. وصلت فاتن إلى المستشفى ورقدت هناك مدّة 21 يومًا، وتلقّت العلاج الكيماوي مرّة واحدة.

الحالة التي نَصِفها أعلاه واحدةٌ من آلاف. في كلّ سنة يقدّم آلاف الفلسطينيين من سكّان قطاع غزة طلبات لتصريح للجهات الإسرائيلية لغرض تلقّي العلاج الطبّي الضروري لهم في مستشفيات داخل إسرائيل او الضفة الغربية - بما فيها القدس الشرقيّة. 78% من الطلبات التي قُدّمت في أيلول الماضي كانت من مرضى جرى تحويلهم للعلاج في مستشفيات في الضفة الغربية - أكثر من نصفها في مستشفيات في القدس الشرقية؛ والبقيّة طلبات في أعقاب تحويل إلى مستشفيات في إسرائيل.

نحن نتحدّث عن إجراء بيروقراطي طويل ومُرهق، يتمّ وفق معايير لا يتمّ إطلاع المرضى عليها، بحيث لا يعلمون أبدًا ماذا سيكون مصير الطلب الذي يقدّمونه. بعض هذه الطلبات تتمّ الموافقة عليه، بعضها القليل يُرفض، وكثير منها ينقضي الموعد المحدّد للعلاج ولا يحظى الطلب حتى بردّ.

وفقًا لمعطيات منظّمة الصحّة العالمية (WHO) عن الفترة بين كانون الثاني وأيلول 2017، تقدّم نحو عشرين ألف من سكّان القطاع بطلبات كهذه، وقد تمّت الموافقة على نحو النصف منها، بينما لم يصل أي ردّ على أكثر من 40% منها وقد انقضى الموعد المحدّد العلاج.

 

معطيات WHO للأعوام 2014 - 2017: طلبات قدّمها سكّان من قطاع غزّة لغرض تلقّي العلاج الطبّي في الضفة الغربية وإسرائيل، ومصير هذه الطلبات
 

السنة مجموع الطلبات طلبات تمّت الموافقة عليها طلبات رُفضت طلبات لم تحظ بردّ عليها

2017
حتى أيلول

19,579 10,459
53.42%
565
2.9%
8,555
43.7%
2016 26,296

16,273
61.90%    

1,741
6.6%
8,282
31.5%
2015 22,138 16,970
76.65%
1,267
5.7%
3,901
17.6%
2014 18,266 14,921
81.70%
528
2.9%
2,817
15.4%

 

تبيّن المعطيات أعلاه ارتفاعًا من سنة إلى أخرى في نسبة الطلبات التي لم تحظ بردّ أيًّا كان، بحيث تضاعفت هذه النسبة تقريبًا ثلاث مرّات (من 15% تقريبًا، في عام 2015؛ إلى ما يقارب 45% في عام 2017). نحو 20% من الطلبات التي لم تحظ بردّ خلال عام 2017 (عددها 1562) كانت طلبات لعلاج مرضى أطفال وفتيان تحت سنّ الـ18، ونحو 8% منها (بعدد 725) كانت طلبات لمرضى فوق سنّ الـ60. هذه الممارسات ليس فقط أنّها تمنع عن المرضى تلقّي العلاج الضروري لهم، بل هي تبقيهم في حالة من اللّايقين الدائم في شأن إمكانيّة تلقّيهم العلاج الذي قد ينقذ حياتهم.

هذا الواقع يلقي بالمرضى إلى دوّامة بيروقراطيّة، حيث عليهم تكرار الإجراءات نفسها من البداية - تعيين موعد جديد للعلاج في المستشفى، استصدار التزام بتغطية مالية من السلطة الفلسطينية، والتوجّه مجدّدًا إلى قسم الشؤون المدنيّة في قطاع غزة، الذي يُحيل الطلبات بدوره إلى إسرائيل عبر مديريّة الارتباط والتنسيق في إسرائيل. وعندها تبدأ من جديد فترة الانتظار، ومجدّدًا هناك احتمال بأن لا يتلقّى المرضى ردًّا على الطلب في الوقت المناسب. في مثل هذه الظروف، يصل بعض المرضى إلى حالة من اليأس بحيث يمتنعون عن تقديم طلبات أخرى. منذ بداية 2017، توفّي عشرون شخصًا من سكّان قطاع غزة جرّاء مرض عُضال - بينهم طفلتان، إحداهما في سنّ الرابعة والأخرى في الخامسة من عمرها. وكان هؤلاء قد تقدّموا بطلب تصريح لغرض تلقّي العلاج الطبي خارج القطاع ورُفضت طلباتهم أو لم تحظ بردّ أيًّا كان. 16 من بينهم توفّوا جرّاء مرض السرطان.

إضافة إلى هذه السياسة التي تطبّقها إسرائيل، قرّرت السلطة الفلسطينية في أيّار 2017 تشديد سياستها في شأن إعطاء تحويلة -التغطية الماليّة- لعلاج المرضى من قطاع غزة. دون هذا الالتزام لا يُسمح للمرضى بتقديم طلب تصريح دخول إلى إسرائيل. وفقًا لمعطيات WHO، وافقت السلطة في شهر أيلول الماضي على تغطية نفقات علاج لـ1,077 من المرضى مقدّمي الطلبات؛ وهي نسبة أقلّ من 50% مقارنة بالمعدّل الشهري في الرّبع الأوّل من العام نفسه. السلطة الفلسطينية ما زالت تواصل السياسة نفسها حتّى اليوم، رغم توقيع الاتّفاق بينها وبين حماس. ثلاثة عشر مريضًا توفّوا جرّاء تجميد السلطة إصدار التزام التغطية الماليّة لنفقات علاجهم - بينهم ستّة أطفال، بما يشمل ثلاثة مواليد جدُد. اثنان من المرضى قدّموا طلبات لتصريح دخول إلى إسرائيل في السابق لكنها رُفضت من قِبل إسرائيل.

Thumbnail
معبر رفح، لا خارج ولا داخل. تصوير: محمد صبّاح، بتسيلم، 21.11.2017

 

معبر رفح، المسؤولة عنه مصر، لا يعمل منذ تغيّر السلطة -في حزيران 2013- كممرّ عبور منتظم للمرضى، بل هو مغلق في معظم أيّام السنة. وفقًا لمعطيات WHO، حتّى أيلول 2017 كان عدد أيّام فتح المعبر خلال السنة 14 يومًا فقط، وقد عبر خلالها منه 1,222 مريضًا؛ وفي شهر أيلول كان المعبر مغلقًا تمامًا. في الماضي كان يمرّ من هذا المعبر اكثر من 4,000 شخص كلّ شهر لأجل تلقّي العلاج الطبّي. مؤخّرًا عُقد اتّفاق بين السلطة الفلسطينية وحماس، اتّفق فيه على نقل إدارة المعبر لأيدي السلطة، وكان يُنتظَر أن يتمّ فتح المعبر بشكل منتظم في 1.11.2017، وفي نهاية الأمر لم يُفتح سوى في 18.11.2017، لمدّة ثلاثة أيّام فقط.

ولكن علاوة على ذلك: حتّى لو أتاحت السلطتان المصرية والفلسطينية مرور المرضى سكّان القطاع من معبر رفح بشكل منتظم، لن يكون هذا حلًّا معقولاً، لأنّ الطريق إلى المراكز الصحّية في مصر طويلة جدًّا ومحفوفة بالمخاطر؛ أمّا بالنسبة إلى المرضى الذين سيضطرون المرور من معبر رفح لتلقّي العلاج في الضفة الغربية -بما فيها القدس الشرقية- أو الأردن، فالطريق أطول بكثير بحيث لا يتقبّلها العقل.

منسّق العمليّات الإسرائيلي في الأراضي المحتلّة يتباهى بطريقة تعامُل إسرائيل مع جهاز الصحّة والمرضى في قطاع غزة. على حدّ قوله، رغم أنّ المسؤولية في مجال الصحّة في القطاع قد نُقلت إلى يد السلطة الفلسطينية، فإنّ مكتب المنسّق يعمل "انطلاقًا من إدراكه أنّ قدرات جهاز الصحّة في القطاع محدودة" من ناحية إصدار تصاريح دخول لسكّان القطاع لغرض تلقّي العلاج الطبّي، فهذه ليست في أيديهم، وذلك ضمن "التمييز بين السكّان المدنيّين والجهات الإرهابيّة في القطاع".

المحاولة لإبراز إسرائيل وكأنّها تُحسن إلى سكّان القطاع لا علاقة بينها وبين الواقع. مجرّد احتياج أعداد كبيرة من المرضى لتلقّي العلاج الطبّي خارج القطاع ناجم عن سياسة إسرائيل، التي تمنع -منذ 1967، وعلى وجه الخصوص منذ فرض الحصار في 2007- تطوير جهاز الصحّة هناك. إسرائيل تمنع الأطبّاء من الخروج للمشاركة في استكمالات مهنيّة، وتمنع الطلّاب من الخروج لدراسة الطبّ في دول أخرى؛ إنّها تمنع تجديد المعدّات والأجهزة المعطّلة، ودخول الأدوية والأجهزة الضرورية لإجراء فحوصات متقدّمة؛ كذلك التشويش في تزويد الكهرباء لقطاع غزّة، الناجم عن سياسة إسرائيل، له آثاره على أداء المستشفيات، التي تضطرّ إلى عدم قبول مرضى لعلاج غير مستعجل.

وأكثر من ذلك: نشكّ بأنّ إسرائيل يمكنها التباهي بكيفيّة معالجتها لطلبات المرضى المحتاجين إلى علاج ينقذ حياتهم. آلاف المرضى الذين يعانون حالة صحّية حرجة يعيشون في لايقين، وأملهم الوحيد هو تلقّي العلاج خارج حدود القطاع. هؤلاء، يمكن معالجتهم وإنقاذ حياتهم، ولكنّ إسرائيل تصرّ على إجراءات بيروقراطية مطوّلة ومُنهكة. بعض الطلبات تتمّ الموافقة عليها، وآلاف أخرى انتظر مقدّموها الردّ، عبثًا، إلى أن مرّ وانقضى الموعد المحدّد لعلاجهم.

لا يجري الحديث عن مِنّة تمنّ بها إسرائيل أو حسنة تتصدّق بها على سكّان قطاع غزة. إسرائيل هي التي أنشأت هذا الواقع، وهي المسؤولة عنه: هي التي تسيطر على الدخول إلى والخروج من قطاع غزّة (سوى معبر رفح). هي من يقرّر كيف يكون مستوى العلاج الطبّي المتوفّر للمرضى في القطاع. هي التي تقرّر حبس ما يقارب مليوني شخص في واقع معزول عن العالم الخارجي. والعلاج الذي لا يتوفّر للمرضى داخل قطاع غزة، بسببها، هي التي تمنعهم من تلقّيه خارج القطاع.

 

מעבר ארז שומם. צילום: מוחמד סבאח, בצלם, 20.11.17
معبر إيرز مُقفر. تصوير: محمد صبّاح، بتسيلم، 20.11.2017 

إفادات:

جميل الأقرع، شرطيّ في السلطة الفلسطينية، متزوّج وأب لستّة، من سكّان مخيّم دير البلح للّاجئين

في 23.7.17، توفّي جميل الأقرع جرّاء إصابته بمرض السرطان، عن عمر يناهز 42 عامًا، في مستشفى الرنتسي في قطاع غزّة. منذ نهاية شهر آذار وحتى 11.5.2017 قدّم الأقرع ثلاث طلبات لتصريح خروج من القطاع لغرض تلقّي العلاج الطبي مستشفى المطّلع (أوغستا فيكتوريا) في القدس الشرقيّة، لكنّه لم يتلقّ ردًّا على أيّ منها، وفي كلّ مرّة، قبل موعد العلاج بيوم واحد، كان يتمّ تبليغه هاتفيًّا أنّ طلبه ما زال قيد الدراسة. تمّت الموافقة فقط على الطلب الرّابع الذي قدّمه. وعليه، في 25.5.17 وصل إلى المستشفى لتلقّي العلاج. بعد عودته إلى القطاع قدّم الأقرع طلبًا آخر، لمتابعة العلاج، ولكن في هذه المرّة جرى تجميد الطلب من طرف السلطة الفلسطينية. من دون التزام التغطية الماليّة، ما كان في استطاعة المريض تقديم طلب لتصريح خروج من القطاع. توفّي الأقرع بعد ذلك بوقت قصير. 

في 3.5.2017، حين كان ينتظر الردّ على الطلب الثالث، أدلى الأقرع بإفادة أمام الباحث الميداني في بتسليم، خالد العزايزة: 

جميل الأقرع، حين أدلى بإفادته أمام الباحث الميداني من بتسيلم، بضعة أشهر قبل وفاته. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 3.5.2017

في الوقت الحاليّ أنا موجود في البيت، وأتلقّى أربعة أنواع من الأدوية، بما في ذلك مسكّنات الأوجاع وأدوية لحماية المعدة من آثار العلاج الكيماوي وضدّ فقدان الشهيّة. رغم الأدوية، ما زلت أعاني أوجاعًا صعبة وتعبًا شديدًا. أنام بصعوبة، وليست لديّ شهيّة للطعام أبدًا. أتناول فقط أطعمة سهلة الهضم. صوتي ضعيف جدًّا، بسبب المرض، وبالكاد أستطيع التكلّم. عندما أحتاج شيئًا من زوجتي أو من أولادي، هم لا يستطيعون سماع صوتي إلّا إذا كنت قريبًا منهم. 

قال لي الأطبّاء في غزّة إنّني بحاجة إلى علاج بالأشعّة، وهو غير متوفّر في القطاع. تحدّثنا مع الأطباء في مستشفى المطّلع وأبلغونا أنّهم يقدّمون مثل هذا العلاج، فبعثوا فيّ بعض الأمل بأنّني قد أشفى. حاليًّا أنا في وضع نفسيّ صعب، لأنّ إسرائيل ترفض -دون أيّ تفسير- تمكيني من الوصول إلى المستشفى. أنا لا أفهم لماذا لا يردّون، وخاصّة أنّه ليست لديّ مشاكل تتعلّق بالأمن. في الماضي كان في حوزتي تصريح دخول خاصّ بالتجّار يمكّنني من دخول إسرائيل، وكنت أسافر ذهابًا وإيابًا بين غزّة وإسرائيل. كانت مدّة التصريح لشهرين - آب وأيلول 2015، وعندما انتهت صلاحيّته لم أحاول مجدّدًا الحصول على تصريح. لا أفهم لماذا الآن لا يسمحون لي بالخروج من القطاع والذهاب إلى المستشفى. 

وهكذا حدّثت زوجته، مريم الأقرع (42 عامًا) الباحثة الميدانيّة من بتسيلم، ألفت الكُرد، في 9.8.2017: 

في كانون الثاني 2017 ابتدأ جميل يشعر بأوجاع في البطن، كما انخفض وزنه. عندما أجرى فحوصات في مستشفى الأقصى في دير البلح ومستشفى الشفاء في مدينة غزة، تبيّن لديه سرطان في الرئة اليسرى. حوّلوه إلى مستشفى عبد العزيز الرنتيسي، حيث تلقّى العلاج الكيماوي. 

حوّله الأطبّاء إلى مستشفى المطّلع في القدس، لتلقّي علاج بالأشعّة من نوع لا يتوفّر في قطاع غزة. من آذار إلى أيّار قدّمنا ثلاث طلبات لتصريح خروج من القطاع. لم نتلقّ جوابًا. طيلة الوقت كانوا يقولون لنا إنّ الطلب ما زال قيد الدراسة. اضطررنا على إلغاء جميع المواعيد التي كانت مقرّرة. في هذه الأثناء كان وضع زوجي يتدهور، بحيث قضى معظم الوقت في المستشفى. 
في المرّة الرابعة، حين حدّدنا موعدًا لتاريخ 25.5.2017، تمّت الموافقة على طلبنا، لكنّها وصلت متأخرة، لأنّ السرطان كان قد تفشّى في هذه الأثناء في كلّ أنحاء جسمه. رغم ذلك، كان لا يزال لديّ أمل، وتوجّهنا إلى مستشفى المطّلع في القدس. تلقّى هناك علاجًا بالأشعّة خمسة أيّام في الأسبوع، طيلة 19 يومًا. لقد عانى كثيرًا. 

في 22.6.2017، بعد أن كنّا قد عدنا إلى القطاع، تدهور وضع جميل كثيرًا، فرقد مجدّدًا في مستشفى الرنتيسي. كنت إلى جانبه في المستشفى طيلة 31 يومًا. أنا وسلفي ماجد، كنّا إلى جانبه طيلة النهار، وفي الليل كان يبقى عنده ولدانا (محمّد، 19 عامًا؛ وخالد، 16 عامًا). كنت في حالة نفسيّة صعبة جدًّا، لأنّ زوجي عانى من أوجاع شديدة. 

بعد مضيّ أسبوعين أجري له فحص "سي. تي" وتبيّن أنّه يعاني ورمًا سرطانيًّا جديدًا في الكبد والبطن. قرّر الطبيب تحويله لمتابعة العلاج في مستشفى المطّلع في القدس. في هذه المرحلة كنّا لا نزال غير قادرين على تقديم طلب تصريح خروج من القطاع، لأنّهم قالوا لنا أن ننتظر إلى حين تسلّم التحويلة لتغطية النفقات من السلطة في رام الله. 

بعد ذلك بعشرة أيّام طرأ تدهور جديد على وضع جميل. لم يعدْ قادرًا على الوقوف، وقد توقّف عن تناول الطعام تمامًا. في يومه الأخير، يوم 23.7.2017، طلب منّي إحضار البنات لأنّه أراد رؤيتهنّ، فوعدته بأن أفعل ذلك في المساء. في نهاية الأمر لم يسعفه الوقت. في السابعة مساءً كنت إلى جانبه مع أبنائنا ووالدته وأشخاص آخرين من أقرباء العائلة. سألني لماذا جاء فجأة أقارب كثيرون، فتهرّبت من الإجابة وقلت له إنّها زيارة عاديّة، مثلما في كلّ يوم. بعد ذلك أمسك بيدي. كان صوته ضعيفًا جدًّا بسبب المرض، وقد همس في أذني بأنّه يوشك على الموت. لم أتمالك نفسي، وأخذت في البكاء. لوّح بيده، وبعد لحظات فارق الحياة. عندما توفّي، لم يكن قد وصلنا جواب من السلطة بخصوص التغطية المالية. 
خلال رقود جميل الأخير في مستشفى الرنتيسي لم يتلقّ علاجًا لمرضه، لأنّ نوع العلاج الكيماوي الذي يحتاجه لا يتوفّر في القطاع. كذلك لم يتلقّ مسكّنات للأوجاع وحقن مورفين، لأنّه لم يعد بالإمكان الحصول عليها حتّى في صيدليات القطاع. اشتريت له مسكّنات من الأنواع المتوفّرة، ولكنّها لم تكن بنفس الجودة، لم تنفع في تسكين أوجاعه. لقد عانى كثيرًا.  

يارا بخيت، 4 سنوات، من سكّان خانيونس

كانت يارا بخيت في الرابعة من عمرها حين تشخيص قصور في القلب لديها. بعد ذلك بنصف سنة، في تمّوز 2017، فارقت يارا الحياة. قدّم والداها طلب دخول إلى إسرائيل لمعالجتها في مستشفى المقاصد في القدس الشرقية. حصلت على تصريح، وأجريت لها هناك قسطرة. بعد ذلك، قدّم الوالدان طلبًا آخر، لغرض متابعة العلاج، ولكنّه رُفض. قدّما طلبات إضافيّة، ولكن طفلتهما توفّيت أثناء انتظار الموافقة على الطلب الرّابع. 

Thumbnail
والدة الطفلة يارا، عائشة حسّونة، وشقيقتها التوأم لارا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 17.7.2017

الأمّ، عائشة حسّونة، 28 عامًا، حدّثت باحثة بتسيلم الميدانية، ألفت الكُرْد، في 17.7.2017، عن معاناة العائلة بعد اكتشاف المرض عند يارا: 

في شهر كانون الثاني الماضي أخذت يارا تتقيّأ بوتيرة عالية. تقيّأت طيلة أسبوع تقريبًا، وحصل عندها جفاف. أخذتها إلى الطبيب، وأجريت لها عدّة فحوصات. لم يتأكّد الأطبّاء ما مرضها، وقد حوّلنا الطبيب إلى المستشفى الأوروبي في خانيونس. وجد الأطبّاء هناك أنّها تعاني من ضعف في عضلة القلب. صُدمت عندما سمعت ذلك ولم أقدر على استيعاب الأمر، خاصّة وأنّ يارا كانت في حالة صحّية جيدة جدًّا حتى ذلك الحين. كان من الصعب عليّ التسليم بأنّ ابنتي مريضة وساءت حالتي النفسية من يوم لآخر خصوصًا عندما تدهور وضعها. قرّر الأطبّاء أنّه ينبغي تحويلها إلى مستشفى المقاصد في القدس، لأنّ حالتها صعبة. قالوا إنّهم لا يملكون الموارد اللازمة لمعالجة مرضها. أعدّوا لها تحويلاً للمستشفى في القدس، لكن لم تتمّ الموافقة على طلب تصريح الدخول الأوّل الذي قدّمناه. جرى تعيين موعد جديد في المستشفى، ليوم 16.2.2017، وقدّمنا طلبًا جديدًا إلى إسرائيل. في هذه المرّة سجّلنا جدّتي كمرافقة، ووافقوا على الطلب. جدّتي امرأة مسنّة، في الـ72 من عمرها، وتعاني ضغط الدم العالي والسكّري. عندما ودّعت ابنتي تمزّق قلبي. لم أستطع حتّى السفر معها إلى حاجز إيرز، لأنّني خفت أن تبكي وتصرخ وتتمسّك بي، وعندها سوف تسوء حالتها أكثر. طيلة الفترة التي قضتها يارا في المستشفى في القدس لم توافق على التحدّث عبر الهاتف معي أو مع والدها، لأنّها كانت واثقة أنّنا قد تخلّينا عنها. كنت أشعر قلبي يُسحق ألمًا وشوقًا إلى صوتها. وجدّتي قالت إنّ يارا أيضًا لا تتقبّلها كثيرًا، لأنّها لا تعرفها جيّدًا وليست معتادة عليها. رفضت أن تأكل، ولم تقبل الذهاب إلى المرحاض مع جّدتها، ممّا أدّى إلى تدهور وضعها الجسدي والنفسي. اتّصلت عدّة مرّات مع الممرّضات لكي أسأل عن وضع يارا.

بقيت ابنتي في المستشفى عدّة أيام، وخلال هذه الفترة أجروا لها قسطرة. قلقت جدًّا، وخفت عليها لأنّ جسمها صغير ولم أكن واثقة أنّها سوف تتحمّل ذلك. فرحت جدًّا حين قال الأطبّاء أنّها ستعود إلى القطاع، ولكن عندما رأيتها تحطّم قلبي، لأنّها كانت صغيرة جدًّا ونحيفة. احتضنتها بقلب كسير ولكنّها لم تستجب، لأنّها كانت ما زالت غاضبة لأنّي "تخلّيت" عنها. الطبيب الذي عالجها في المقاصد، قال لنا إنّه لا يمكنها العودة إلى البيت بل العودة إلى المستشفى الأوروبي. كان لديّ أمل كبير أن تعود يارا إلى البيت وتحتضن شقيقتها التوأم، لارا، وأن تعود لحياتها الطبيعية. عندما كانت في المستشفى الأوروبّي طلبت منها أن تتبسّم لي، فتبسّمت رغم الأوجاع. في كلّ مرّة رأيتها تبتسم شعرت بأمل أنّها سوف تُشفى وتعود إلى البيت.

بعد أسبوعين خرجتْ من المستشفى، ولكن وضعها لم يتحسّن. رقدت هناك لفترات امتدّت لأسابيع في كلّ مرّة، حتى شهر حزيران الماضي. في حزيران قرّر الأطبّاء أنّ حالتها حرجة فأعدّوا لها تحويلاً جديدًا إلى مستشفى المقاصد؛ وفي هذه المرّة أيضًا، برفقة جدّتي. عيّن المستشفى موعدًا لها في 21.6.2017. قبل الموعد بأسبوع وصلنا تبليغ عبر الهاتف النقّال أنّ الطلب ما زال قيد الدراسة. سوى هذا التبليغ لم يصلنا أي ردّ. لم نعرف ماذا نفعل، أنا ووالدها. طفلتي الصغيرة لم تفعل سوءًا لأحد يبرّر حرمانهم إيّاها من العلاج الطبّي. حالتي النفسيّة استمرّت في التدهور.

أخذ وضع يارا يتدهور من يومٍ إلى آخر. ذات يوم أصابها ضيق تنفّس واختناق. أخذتها سريعًا إلى المستشفى الأوروبي في خان يونس، وهناك تبيّن أنّ كليتيها توقّفتا عن العمل. بقيتْ في المستشفى، وفي بداية تمّوز أعدّ لها الأطبّاء تحويلًا للمرّة الرابعة إلى مستشفى المقاصد، لأنّ حالتها كانت صعبة جدًّا. قالوا إنّه ينبغي تركيب بطّارية تنظّم نبض القلب، ولا توجد بطّارية كهذه في غزة. عيّنوا لها موعدًا متأخّرًا، في 20.7.2017. ولكنّي لم أفقد الأمل، وانتظرت بفارغ الصبر، أملاً في إنقاذ حياة يارا.

في يوم الأربعاء، 12.7.2017، يومًا واحدًا قبل وفاتها، طلبت يارا منّي "سكاكر جِلي". توجّهت إلى البقالة، اشتريت لها السكاكر وأطعمتها إيّاها. كنت سعيدة لرؤيتها تأكل ولأنّني استطعت أن أقدّم لها شيئًا طلبته. في اليوم التالي، قرابة الساعة السابعة إلاّ الرُّبع صباحًا، طلبت يارا أن تأكل بنفسها، ولكنّها لم تقدر على ذلك، ولذا قالت لي: أمّي، أطعميني. رفعتُ رأسها وأسندته على الوسائد. وبينما كنت أطعمها أمالت رأسها يسارًا، والأكل في فمها، وفجأة توقّفتْ عن التنفّس.

بعد ذلك جاء الأطبّاء والممرّضون إلى غرفتها ونقلوها إلى غرفة أخرى. أوصلوها بجهاز تنفّس، لكنّها فارقت الحياة. عندما سمعت الخبر أخذت في الصراخ والبكاء، وأغمي عليّ. شعور لا يمكن وصفه. لقد فقدت قطعة من قلبي. لقد ذهبت يارا، ولن تعود.

ناديا حمد، 53 عامًا، متزوّجة وأمّ لسبعة، من سكّان بيت حنينا

נאדיה חמד. התמונה באדיבות המשפחה.

في عام 2010 جرى تشخيص سرطان الثدي لدى ناديا حمد. تلقّت علاجات بالأشعّة في قطاع غزّة، وحتّى عام 2016 حصلت أيضًا عدّة مرّات على تصريح خروج من قطاع غزّة إلى إسرائيل لغرض تلقّي العلاج في مستشفى المطّلع (أوغستا فيكتوريا) في القدس الشرقية، وفي مستشفيات إسرائيلية. منذ كانون الثاني 2017 قدّمت ناديا إلى إسرائيل ستّ طلبات لتصريح خروج من القطاع لتلقّي العلاج في مستشفى المطّلع في القدس الشرقية. لم يصلها ردّ على أيّ من هذه الطلبات. في 25.8.2017 فارقت الحياة. 

زوجها، فايز حمد، 52 عامًا، أدلى بما يلي، في 6.9.2017، أمام الباحث الميداني من بتسيلم، محمد صبّاح: 

 

عانت زوجتي من سرطان الثدي منذ عام 2010. أجريت لها عملية لاستئصال الثدي، وتلقّت علاجات بالأشعّة في مستشفى في غزة، وتابعت العلاج في مستشفى المطّلع في القدس الشرقية حتى عام 2012. في عام 2013 أجري لها فحص باثولوجي لتبيان تقدّم المرض وتبيّن أنّه تفشّى في العظام. لم تكن قادرة على المشي. أجريت لها علاجات كيماوية وعلاجات أخرى في مستشفيات داخل قطاع غزة. في 2014 خرجت مرّة واحدة لتلقّي العلاج في مستشفى "أسوتا"، وفي كان الأوّل 2016 خرجت لتلقّي علاج واحد في مستشفى "بِلينسون".

كانت لا تزال تعاني من أوجاع طيلة الوقت، ولكن حدّدوا لها مواعيد في 9.1.2017 وفي 30.1.2017 في مستشفى المطّلع في القدس الشرقية. كان يُفترض أن تتلقّى هناك علاجًا كيماويًّا وعلاجات بالأشعّة من نوع لا يتوفّر في القطاع. قدّمنا طلبًا لتصريح خروج من القطاع، ولكن لم نتلقّ ردًّا، وهكذا خسرنا الموعدين الذين كانا مقرّرين لها. قالوا لنا إنّ الطلب لا يزال قيد الدراسة. غيّرت اسم المرافق في الطلب، وضعت اسم شقيق زوجتي، محمود، البالغ من العمر 55 عامًا، وطلبت أن يعيّنوا لها موعدًا جديدًا في مستشفى المطّلع. جرى تعيين موعد لتاريخ 27.2.2017، وأيضًا في هذه المرّة انقضى الموعد دون أن نتلقّى ردًّا. 

من نيسان وحتّى تمّوز قدّمنا ثلاث طلبات أخرى، ولكن مجدّدًا لم نتلقّ ردودًا. كانت حالة زوجتي قد ساءت جدًّا. لم تكن قادرة على المشي، وكانت تحتاج إلى مساعدة في كلّ شيء. في هذه الأثناء تلقّت علاجات كيماوية في مستشفى الشفاء مرة كلّ أسبوع أو أسبوعين.

بعد تقديم ستّ طلبات لم نتلقّ عليها ردًّا، قرّرت تعيين موعد في مستشفى في مصر. عملت على تحويلها إلى معهد ناصر، وتعيّن موعد ليوم 13.8.2017. انتظرنا أن يفتحوا معبر رفح، لكي نستطيع السفر، ولكنّه لم يُفتح. حالة زوجتي أصبحت صعبة جدًّا، وتفشّى المرض في جسمها.  

بعد شهرين من المعاناة القاسية، وكنّا خلالها نحاول طيلة الوقت الحصول على تصريح خروج من القطاع لاستكمال العلاج اللازم لها، فارقت الحياة، في 25.8.2017. فقدنا زوجتي لأنّه لم يتمّ معالجة المرض كما ينبغي. وفاتها أصابتنا بصدمة أنا وأولادي. لقد تركت فراغًا كبيرًا بموتها، خاصّة وأنّ ابنتيّ -مروة، 16 عامًا؛ ورحمة، 13 عامًا- كانتا متعلّقتين جدًّا بوالدتهنّ.