Skip to main content
Menu
المواضيع

المحاكم العسكريّة

تعمل المحاكم العسكرية في الأراضي المحتلة منذ الاحتلال في العام 1967. ومع مرّ السنين أضحت هذه المحاكم إحدى الآليّات الأساسية لنظام الاحتلال وحتى اليوم مثل أمامها للمحاكمة مئات آلاف الفلسطينيين. في قطاع غزّة أوقف نشاط هذه المحاكم بعد انسحاب قوّات الجيش من هناك في العام 2005، ولكنها تزاول أعمالها حتى اليوم في الضفة الغربية - ما عدا القدس الشرقية التي ضمّتها إسرائيل.

يشمل جهاز المحاكم العسكرية اليوم عددًا من المحاكم بأنواعها المختلفة. هناك محكمتان ابتدائيتان تعملان في الضفة الغربية: محكمة منطقة يهودا في معسكر "عوفر" (شمال غرب القدس)؛ ومحكمة منطقة "شومرون" في معسكر سالم (قرب مفرق مجيدو). وهناك فروع إضافية للمحاكم العسكرية تعمل داخل إسرائيل إلى جانب منشآت التحقيق التابعة لجهاز الامن العام (الشاباك)، وينظر قضاتها في طلبات تمديد اعتقال المستجوَبين. وهناك ابتداء من العام 2009 محكمة عسكرية للشبيبة تعمل في معسكر "عوفر". وفي المعسكر نفسه تعمل أيضًا محكمة استئناف والمحكمة العسكرية لشؤون الاعتقال الإداري ومحكمة الاستئناف الإداري العسكرية.

إن صلاحيّات المحاكم العسكرية تكاد لم تتأثّر بتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق A و-B و-C في إطار اتفاقية أوسلو ولا هي تأثرت بنقل جزء من المسؤوليات المدنية والأمنية ليد السلطة الفلسطينية. حتى اليوم ما زال يمثل للمحاكمة أمام هذه المحاكم فلسطينيون من جميع أرجاء الضفة جرّاء مخالفة أوامر عسكرية.

يطال نطاق نفوذ المحاكم العسكرية نوعين من المخالفات. النوع الأوّل، مخالفات تسمّى "أمنيّة" وهذه تشمل "كلّ مخالفة معرّفة ضمن تشريعات الأمن والقانون" - سواء ارتُكبت في مناطق خاضعة لسلطة الجيش، أو خارج الضفة الغربية أو في مناطق A و-B اللتين نُقلتا ليد السلطة الفلسطينية - شرط أن تكون المخالفة قد "مسّت أو رمت إلى المسّ بأمن المنطقة". النوع الثاني، يُعنى بمخالفات تعتبر من النوع الذي يهدّد النظام العامّ - خاصّة مخالفات المرور ولكن أيضًا مخالفات جنائية غير معرّفة كمخالفات أمنيّة.

يمثُل آلاف الفلسطينيين كلّ سنة أمام المحاكم العسكرية جرّاء مخالفات متنوّعة، منها الدخول إلى إسرائيل دون تصريح ورشق الحجارة والعضويّة في "تنظيمات غير مشروعة" ومخالفات سلاح وعنف ومخالفات مرور - وتشكّل هذه نحو 40% من مجمل لوائح الاتّهام.

المحاكم العسكرية مخوّلة رسميًّا محاكمة كلّ من ارتكب مخالفة في أراضي الضفة الغربية بما في ذلك المستوطنون ومواطنو إسرائيل القاطنون داخل إسرائيل والمواطنون الأجانب. ولكن منذ بداية الثمانينيّات قرّر المستشار القضائي للحكومة في حينه أن يمثل المواطنون الإسرائيليون للمحاكمة أمام محاكم مدنيّة داخل إسرائيل وفقًا لأحكام قانون العقوبات الإسرائيلي حتى وإن كانوا يقطنون في الأراضي المحتلة وحتى لو كانت المخالفة قد ارتُكبت في تلك الأراضي وضدّ سكّانها. هذه السياسة ما زالت متّبعة إلى يومنا هذا. هكذا جرّاء المخالفة نفسها بالضبط والتي ارتُكبت في المكان عينه يمثل المتّهمون أمام محاكم مختلفة ويحاكمون وفقًا لقوانين مغايرة: المتّهم الفلسطيني يمثل أمام محكمة عسكرية يُتخذ قرار تبرئته أو إدانته وفقًا لقوانين الإثبات المتّبعة فيها ويُحكم عليه وفقًا لتعليمات الأوامر العسكرية؛ بينما المتّهم الإسرائيلي يمثل أمام محكمة مدنيّة داخل إسرائيل ويُتخذ قرار تبرئته أو إدانته وفقًا لقوانين الإثبات المتّبعة في القانون الإسرائيلي ويُحكم عليه وفقًا للقانون في إسرائيل.

يعتبر إجراء الاعتقال إلى حين انتهاء الإجراءات القضائية، أي انتهاء المحاكمة وإصدار الحكم، أحد أكثر الإجراءات إشكالية في أداء المحاكم العسكرية. اعتقال شخص إلى حين انتهاء الإجراءات القضائية المتّخذة في حقّه يعني اعتقال شخص قد انتهى التحقيق معه وجرى تقديم لائحة اتّهام ضدّه ويستمرّ اعتقاله إلى حين انتهاء محاكمته. إنه لا يقضي حكمًا بالسجن بل هو شخص مسجون رغم أنّ المحكمة لم تنطق حكمها في شأنه، ورغم أنّه كمتّهم لا يزال بريئًا طالما لم تثبت بعد إدانته.

رغم ذلك ففي المحاكم العسكرية الاعتقال لحين انتهاء الإجراءات القضائية هو القاعدة وليس الاستثناء، سوى في حالات مخالفات المرور. تطالب النيابة العسكرية بمثل هذا الاعتقال على نحوٍ روتينيّ وتقرّ المحاكم الطلب وتصادق عليه في معظم الحالات.

ظاهريًّا يستند القضاة العسكريون إلى ثلاثة شروط محدّدة في القانون الإسرائيلي لا يمكن للقاضي من دونها المصادقة على اعتقال إلى حين انتهاء الإجراءات القضائيّة: وجود "أدلّة ظاهريّة" لإثبات التهمة؛ وجود أحد مسوّغات الاعتقال المذكورة في القانون؛ وغياب خيار ملائم بديل للاعتقال. غير أنّ تأويلات القضاة العسكريين تفرغ هذه الشروط من مضمونها وتجتثّ جوهرها والغاية منها من حيث كونها قيود جدّية على إجراء الاعتقال إلى حين انتهاء المحاكمة: سقف الأدلّة المطلوبة من النيابة منخفض إلى حدّ إعفاء النيابة عمليًّا من واجب عرض أدلّة تسوّغ اعتقال المتّهم؛ طلب "مسوّغ الاعتقال" يُستبدل بسلسلة من الفرضيّات المسبقة؛ والمحاكم قرّرت أنّه عمومًا لا يمكن في حالة المتهمين الفلسطينيين إيجاد بديل للاعتقال وبالتالي الإفراج عنهم. في الحالات القليلة التي يقرّر فيها القضاة الإفراج عن متّهم، يُشترط ذلك بإيداع مبالغ ماليّة كبيرة (كفالة) قد تصل إلى آلاف الشواقل.

إحدى النتائج المباشرة لهذه السياسة أنّ معظم الملفّات التي تنظر فيها المحاكم العسكرية تنتهي إلى صفقات يعترف المتهمون في إطارها بالتهمة (عمومًا مقابل إبطال جزء من بنود لائحة الاتّهام). يفضّل المتهمون التنازل عن إجراء جلسة مناقشة الأدلة والبراهين يستمرّ مدّة طويلة إذ يعلمون أنّهم في الغالب سيبقون رهن الاعتقال إلى حين انتهائه بعد أن يوافق القاضي على طلب النيابة تمديد اعتقالهم إلى حين انتهاء الإجراءات. وهكذا حتّى إذا تمّت تبرئة المتهمين في نهاية الأمر من المحتمل أن تكون فترة اعتقالهم أطول من فترة محكوميّتهم أي فترة سجنهم المتّفق عليها في إطار الصفقة. في مثل هذا الواقع تكاد النيابة أن تكون غير مطالَبة بعقد جلسة مناقشة الأدلة والبراهين يُلزمها بعرض أدلّة تثبت التهم التي توجّهها للمتهم. عوضًا عن ذلك، يتحدّد مصير الملفّ لدى اعتقال المتهم إلى حين انتهاء الإجراءات القضائية، لا استنادًا إلى وجود أدلّة ضدّه. من هنا فإنّ قرار اعتقال متّهم لم تثبت إدانته بعد إلى حين انتهاء الإجراءات والمتّخذ في إجراء سابق للمحاكمة يفرغ الإجراء القضائي من غايته الجوهرية.

يبدو أداء المحاكم العسكرية ظاهريًّا كأداء قضائي كما في المحاكم العاديّة إذْ هنالك مدّعي نيابة ومحامي دفاع؛ هنالك إجراءات قانونيّة وقوانين وأنظمة؛ وهنالك قضاة يكتبون قرارت وأحكام بمصطلحات قانونيّة منمّقة. ولكن من خلف هذه المظاهر المحترمة يعمل أحد أشرس أجهزة الاحتلال. الأوامر العسكرية تُكتب كلّها على يد جنود إسرائيليين وهي بالتالي تعكس ما يعتبرونه هم مسًّا بمصالح إسرائيل؛ وفي المقابل لا يملك الفلسطينيون القدرة على التأثير في مضمون الأوامر التي تحدّد كيف تُدار حياتهم. القضاة والمدّعون العسكريّون هم إسرائيليون دائمًا، جنود بزيّ عسكريّ؛ والفلسطينيون في كلّ الحالات يقفون هناك في خانة الاشتباه أو الاتّهام وفي معظم الحالات في خانة الإدانة. نظرًا لهذه الظروف مجتمعة، لا تكون ولا يمكن أن تكون المحاكم العسكرية وسيطًا محايدًا: إنّهم يصطفّون تمامًا في أحد قطبَي المعادلة غير المتكافئة، وهم بمثابة آليّة مركزيّة لتفعيل السيطرة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني.