Skip to main content
Menu
المواضيع

روتين العُنف

سيطرة إسرائيل على نحو خمسة ملايين فلسطينيّ في الأراضي المحتلّة ليست مسألة سياسيّة- نظريّة تتطلّب حلاًّ في مستقبل ما في إطار مفاوضات. هي أيضًا ليست تنعكس فقط في الأحداث الأكثر تطرّفًا التي ينشرها الإعلام عادة - وإن كان على نحوٍ منقوص كالاعتداءات شديدة العنف التي يرتكبها جنود ومستوطنون. هذه السيطرة تنعكس بشكل دائم على حياة جميع الفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة وهي تنطوي على روتين عنفيّ يحدث يوميًّا، أحيانًا هو مرئيّ وأحيانًا أخرى كثيرة لا يبرز للعيان. وسواء تمظهرت سيطرة إسرائيل على السكّان الفلسطينيين بأشكالها الفظّة الواضحة أم تمثّلت بأحداث لا تُستخدم فيها القوّة المباشرة - هذا أو ذاك كلاهما عُنف تمارسه الدولة على نحوٍ منظّم ونشط ومتواصل.

هنالك علاقة مباشرة بين عنف الدولة المنظّم وهذه السيطرة الدائمة على المدنيّين الفلسطينيين -  بوسائل عسكرية ومدنيّة وقانونية وإداريّة. أوّلاً: لأنّ سيطرة نظام غريب على ملايين الأشخاص طيلة عشرات السنين وتحويلهم إلى رعايا لا يملكون فيه تمثيلاً سياسيًّا هو في حدّ ذاته عُنف. وثانيًا لأنّه لا توجد إمكانيّة عمليّة للنجاح في ضبط سكّان مدنيّين واقعين تحت سيطرة احتلال أجنبيّ دون اللجوء إلى استخدام العنف ضدّهم.

مجرّد غياب التمثيل السياسي للفلسطينيّين في الأجهزة الإسرائيلية التي تدير حياتهم يفتح مجالاً غير محدود لاستخدام القوّة التعسّفية ضدّهم - سواء القوّة الفيزيائية المباشرة أو القوّة الإدارية. النتيجة في الحالتين هي التجبّر بالفلسطينيين والمسّ بهم - أحيانًا دون تبيان سبب وفي أحيان أخرى بذرائع أمنيّة واهية - ولكن دائمًا ضمن منظومة علاقات طرفاها أسياد ورعايا. تجعل هذه الأجهزة جميع الفلسطينيين تحت رحمة قرارات يتّخذها الإسرائيليون: موظّفو الإدارة المدنية والقضاة والسياسيّون ومركّزو
جهاز الامن العام (الشاباك) والسجّانون والجنود وعناصر شرطة حرس الحدود. حياة الفلسطينيين ضمن هذه الظروف تتّسم بانعدام يقين يحيط بحاضرهم ومستقبلهم وبخصوصيّة منتهَكة وحياة عارية تمامًا يمكن انتهاكها في كلّ لحظة.

خلال السنين التي مضت منذ 1967 تغيّرت الظروف وتطوّرت في المناطق المختلفة التي تسيطر عليها إسرائيل. وفقًا لذلك تختلف آليّات السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين من منطقة إلى أخرى: هناك فروق بين سيطرة إسرائيل على قطاع غزّة من الخارج وسيطرتها المباشرة على الضفة الغربية وعلى القدس الشرقية التي ضمّتها إسرائيل.

في قطاع غزّة من يقرّر كيف تكون حياة الناس اليوميّة بأبعادها الأكثر أهمّية هو إسرائيل فهي المقرّر الأساسي فيمن يدخل إلى قطاع غزّة ومن يخرج منه. إسرائيل تقرّر أيّ غذاء يوضع على موائد سكّان غزّة وأيّ غذاء يمكنهم تصديره. إسرائيل تمنع سكّان القطاع من الخروج - سوى في حالات استثنائية - وهي تمنعهم من زيارة أقاربهم في الضفة الغربية وتمنع الطلاب من الدراسة في جامعات الضفة وغير ذلك. إسرائيل تقرّر مستوى العلاج الطبّي في قطاع غزة فهي التي تقرّر أيّ التجهيزات الطبّية تدخل إلى القطاع وأيّ الأدوية تصل إلى المستشفيات وأيّة دورات استكمالية يمكن للأطبّاء السفر للمشاركة فيها. ولأنّ إسرائيل قرّرت أن لا يتوفّر في قطاع غزة سوى الحدّ الأدنى من العلاج، كثير من سكّان القطاع الذين يحتاجون العلاج الطبي خارجه مُجبرين على الخروج عن طريقها لكي يتلقّوا العلاج؛ وهنا أيضًا - تقرّر إسرائيل من يحظى بذلك ومن يُمنع عنه ذلك. وإسرائيل هي المسؤولة الأساسية عن أزمة الكهرباء الخانقة في القطاع التي تجلب نقصًا في المياه الصالحة للشرب وتمنع إمكانيّة معالجة مياه المجارير. وهكذا فإنّ قرارات موظفين إسرائيليّين هي التي تحدّد مستوى الحياة في القطاع وفرص التطوير الاقتصادي وفرص الدراسة وفرص إقامة أسْرة. إنّه وضع يفقد فيه نحو مليونا فلسطينيّ في غزّة السيطرة على حياتهم.

في الضفّة الغربية تتّخذ سيطرة إسرائيل شكلاً مختلفًا حيث أنها تدير مباشرة موارد الأرض في أنحاء الضفة ونظرًا إلى منظومة المستوطنات وإسقاطاتها وبسبب الاتّصال المباشر واليوميّ بين الفلسطينيين وبين عناصر قوّات الأمن والسلطات الإسرائيلية الأخرى. يقيّد الجيش حركة وتنقّل السكّان الفلسطينيين كما يحلو له ويعرقل حياتهم وكثيرًا ما يفعل ذلك دون سابق إنذار. يغلق الجنود الشوارع بشكل مؤقت أو دائم ويعيقون الفلسطينيين في الحواجز ويفرضون عليهم الانصياع لأوامرهم ويوجّهون إليهم الإهانات وأحيانًا يعتدون عليهم جسديًّا. يداهم الجنود منازل الفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة كلّ يوم - وكلّ ليلة - دون الاحتياج إلى إظهار أوامر تفتيش أو تقديم توضيح أيًّا كان وضمن ذلك يزعزعون حياة الأسَر ويرهبون سكّان المنازل وينتهكون خصوصيّاتهم. الإدارة المدنيّة بدورها تدير نظام تصاريح صارم وتعسّفي يسري على جميع مناحي حياة سكّان الضفة الغربية، حيث يقرّر موظّفو الإدارة من يسافر إلى الخارج ومن يعمل داخل إسرائيل ومن يصلّي في القدس ومن يزور قطاع غزّة ومن يتلقّى البضاعة التي طلبها ومن يصل في الوقت إلى عمله. يُدار هذا النظام دون قواعد واضحة ودون توضيح أسباب القرارات المتّخذة وتنظر إسرائيل إلى كلّ تصريح تصدره لأيّ شخص فلسطيني على أنه حسَنة منها تقدّمها له. وهنا أيضًا نجد وضعًا يفقد فيه نحو ثلاثة ملايين فلسطيني السيطرة على حياتهم.

في القدس الشرقية التي ضمّتها إسرائيل خلافًا للقانون إلى حدودها السياديّة يعاني السكّان سياسة تمييز صارخة في تخصيص الميزانيات وتقديم الخدمات، مقارنة مع الجزء الغربيّ من المدينة؛ وفوق ذلك يبقى حقّهم في مواصلة السكن في المدينة مهدّدًا دائمًا. تفرض الشرطة دون سابق إنذار قيودًا مشدّدة على حرّية حركة وتنقّل السكّان والجدار الذي بنته إسرائيل ليفصل بعضًا من الأحياء الفلسطينية عن بقيّة المدينة يفرض على نحو 140,000 مقدسيّ اجتياز محنة الحواجز يوميًّا سواء كان في طريقه إلى العمل أو المستشفى أو لزيارة الأصدقاء. علاوة على ذلك تطبّق السلطات المختلفة سياسة تخطيط وبناء تحرم السكّان من أيّة إمكانيّة لبناء المنازل أو المباني العامّة بما يلائم احتياجاتهم وتفرض عليهم العيش في ظروف الكثافة السكّانية الخانقة. وعندما لا يجد الفلسطينيون سكّان القدس الشرقية مفرًّا من بناء منازلهم دون ترخيص تُصدر السلطات في أحيان كثيرة أوامر الهدم وأحيانًا تنفّذ الهدم فعلاً. بذلك يُجبر السكّان على العيش في خوف يخيّم على حاضرهم وانعدام يقين دائم يحيط بمستقبلهم. وهكذا نجد هنا أيضًا في القدس الشرقية ما يقارب 370,000 فلسطينيّ يفقدون السيطرة على حياتهم.

ما وصفناه أعلاه يحدث من خلال ممارسات وقرارات ناخبين وسياسيّين وقضاة وموظّفين وجنود - جميعهم إسرائيليون جماعة مرجعيّتهم هي غير الجماعة التي يديرون حياتها. القوّة الفائضة التي تملكها إسرائيل وسيطرتها المطلقة على جميع مناحي الحياة تجيَّران لإدامة الاحتلال وضبط السكّان الفلسطينيين وقمع محاولات مقاومتهم للاحتلال.

جميع السكّان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يعيشون تحت هذا الشكل أو ذاك من السيطرة الإسرائيلية. إنّه واقع دائم لا يملك فيه الفلسطينيون حقوقًا سياسيّة ولا اعتبار لهم إذ يتّخذ إسرائيليون طيلة الوقت قرارات تتعلّق بجميع مناحي حياتهم سواء كان ذلك عبر صندوق الاقتراع أو ممارسات الإدارة المدنية أو الأوامر العسكرية.

يعيش بين البحر والنهر ما يقارب 13 مليون إنسان ولكن فقط 8 مليون منهم مخيّرون يملكون الصوت والحقوق السياسية والحقّ في أن يكونوا أفرادًا ذوي حقوق. أمّا الباقون فمسيّرون في حياتهم وفقًا لقرارات أشخاص غير منتخَبين من قبَلهم وهم لم يوافقوا أصلاً على العيش تحت سيطرتهم. مجرى الأمور على هذا النحو هو في جوهره عُنف - إنّه عُنف لن يزول إلاّ بزوال الاحتلال.