Skip to main content

بيت أُمَّر: اعتقال فتًى في الثالثة عشرة من عمره

خالد بحرهو فتًى في الثالثة عشرة من عمره، تلميذ في الصف السابع، أصغر إخوته الأربعة، وجميعهم يسكنون مع الوالدين في حيّ الضهر في قرية بيت أمّر، في الخليل. في 16.10.2017، قرابة الساعة 18:00، ...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

بيت أُمَّر: اعتقال فتًى في الثالثة عشرة من عمره

خالد بحرهو فتًى في الثالثة عشرة من عمره، تلميذ في الصف السابع، أصغر إخوته الأربعة، وجميعهم يسكنون مع الوالدين في حيّ الضهر في قرية بيت أمّر، في الخليل. في 16.10.2017، قرابة الساعة 18:00، كان خالد جالسًا مع ابن عمّه عبد القادر بحر (12 عامًا) وأخيه أحمد (19 عامًا) وخمسة فتية آخرين من أبناء الحيّ. جلس جميعهم مقابل مخزن مغلق وتحدّثوا فيما بينهم. 

في الوقت نفسه، قريبًا من المكان الذي جلس فيه الفتية، كان أربعة جنود فوق سطح أحد البيوت. لدى نزولهم، اقترب جنديّان من مجموعة الفتية، أمسكا بالفتى خالد من ذراعه اليسرى ورقبته، أمراه بمرافقتهم، ثمّ اقتاده الجنود إلى مستوطنة كرمي تسور المحاذية. في المستوطنة، احتجز الجنود الفتى طيلة ساعات عدّة، ظلّ خلالها جالسًا على كرسيّ، يداه مكبّلتان وعيناه معصوبتان. خلال هذه الساعات منعه الجنود من النوم. بعد منتصف الليل اقتيد خالد إلى محطّة الشرطة في كريات أربع، حيث حقّق معه شرطيّ لمدّة تقارب ربع الساعة، متّهمًا إيّاه برشق الحجارة. فقط في الساعة 2:00 بعد منتصف الليل أخلي سبيل خالد إلى منزله. 

عبد القادر بحر، ابن عمّ خالد، حدّث الباحث الميداني من بتسيلم، موسى أبو هشهش، عن لحظة الاعتقال، في إفادة أدلى بها يوم 22.10.2017: 

ذهبتُ في أعقاب الجنود وكنت أصرخ وأبكي. قلت لأحد الجنديّين: أرجِعْه، حرام عليك هذا الذي تفعله، نحن لم نفعل شيئًا. كان أخي الكبير معي. سحب الجندي بندقيّته وصوّب تجاهنا صارخًا: اذهب! خفت وأخذت أركض عائدًا إلى البيت وأصرخ: لقد اعتقلوا خالد، لقد اعتقلوا خالد، … طلب منّي والدي أن أبقى في المنزل، ولكنّي كنت مصرًّا فاتّجهت إلى طريق جانبيّ وأنا أواصل الرّكض. رأيت الجنود يقتادون خالد إلى بوّابة مستوطنة كرمي تسور. بعد وقت قصير وصل أقرباء من عائلتنا إلى البوّابة وحاولوا هم أيضًا إقناع الجنود بإخلاء سبيل خالد. 

بعد نحو ربع السّاعة رأيت الجنود يكبّلون خالد، يغطّون عينيه ثمّ يدخلونه إلى جيب عسكريّ كان قد وصل إلى المكان. أخذت في البكاء وعدت إلى الحيّ. في الطريق كنت أخبر الجيران: لقد أخذوا خالد، لقد أخذوا خالد.

خالد صديقي وابن عمّي. نحن نقضي معظم وقتنا معًا - في المدرسة، في البيت وفي الحارة. في الليل حاولت النوم ولكنّي لم أستطع. بقيت مستيقظًا طيلة الليل، إلى أن سمعت سمير (21 عامًا) ابن عمّي يقول: لقد عاد خالد، كانت الساعة 2:00 تقريبًا. 

في الإفادة التي أدلى بها خالد أمام الباحث الميداني من بتسيلم، موسى أبو هشهش، يوم 22.10.2017، وصف ما جرى له بعد اعتقاله: 

انضمّ إلينا الجنديّان الآخران، واقتادني الجنود الأربعة إلى بوّابة مستوطنة كرمي تسور، وتبعد نحو 500 متر. طيلة الطريق كانت الأشواك تخدشني، والمكان كان معتمًا. لا خفت ولا بكيت، ولكنّي نعم خفت في البداية عندما فاجأني الجنديّ وأمسك بي. كانت أمّي تسير خلفي وتناديني، أجبتها قائلاً: لا تخافي.  

بعد نحو ربع السّاعة وصل جيب عسكريّ وسيّارة أمن تابعة للمستوطنة. كبّل الجنود يديّ من أمام وغطّوا عينيّ، ثمّ أدخلوني إلى الجيب العسكري، الذي سافر بي إلى نقطة جيش داخل مستوطنة كرمي تسور. هناك، أدخلوني إلى غرفة، وأنا بعدُ مكبّل وعيناي معصوبتان. شعرت بالبرد، فطلبت "بطّانيّة" من الجنود. بعد مدّة ما جلب لي أحد الجنود بطّانيّة. أثناء جلوسي في الغرفة، كلّما غفوت قليلاً تقدّم منّي أحد الجنود وأخذ يمثّل دور كلب، يخرمشني بأظافره وينبح عليّ: هاااو.. هاااو… وعندها كنت أستيقظ. لقد كرّر ذلك عدّة مرّات. للوهلة الأولى ظننت أنّه كلب حقيقيّ، ولكن حين كرّر ذلك صرت أعرف أنّه أحد الجنود. كان بقيّة الجنود يضحكون بصوتٍ عالٍ. 

بقيت في الغرفة ساعات عديدة. طيلة هذا الوقت جلست على كرسي من البلاستيك، وكنت أهدس: تُرى، ماذا سيفعل بي الجنود، وهل سيأخذوني إلى السجن. فكّرت بأمّي وإخواتي وإخواني، تساءلت هل يبكون الآن. أحد الجنود عرض عليّ أن آكل، ولكنّي رفضت لأن عينيّ كانتا معصوبتين ولم أكن واثقًا أنّ الجندي يقصد ذلك بجدّية، ولا أعرف أيّ أكل قد يقدّمون لي. 
في ساعة متأخرة من الليل، قادني جنديّ إلى سيّارة وأنا ما زلت معصوب العينين ومكبّل اليدين. أخذوني إلى محطّة الشرطة في كريات أربع. في المحطّة، أزال شرطيّ العصبة عن عينيّ وفكّ القيود عن يديّ. سألني لماذا أسبّب المشاكل وأرشق الحجارة. أجبته أنّني لا أسبب المشاكل، وقلت له أنّني - قبل وصول الجنود - تشاجرت مع أحد أولاد الحيّ ورشقته بالحجارة. 

عندما وصلت إلى البيت كانت الساعة 2:00 بعد منتصف الليل. كنت منهَكًا ومرعوبًا. أكلت بسرعة. حدّثت العائلة وابن عمّي، عبد القادر، بما جرى لي. نمت حتى ساعة متأخّرة في الصباح، ولم أذهب إلى المدرسة. منذ ذلك اليوم لا أخرج من البيت في ساعات ما بعد العصر، حيث يصل الجنود إلى الحيّ، لأنّي أخشى أن يعتقلوني ثانيةً.


لقد اعتقل الجنود خالد دون سبب، ودون أن يوضّحوا له ما الذي سيحصل؛ كما أنّهم لم يسمحوا له بالاتّصال مع أسرَته ولم يكلّفوا أنفسهم عناء تبليغ الأسرة من طرفهم. لقد أجلسوه لمدّة ساعات ويداه مكبّلتان وعيناه معصوبتان، وطيلة هذه المدّة نكّلوا به ومنعوا عنه النوم. بعد ذلك اقتيد للتحقيق وحيدًا، دون أن يستشير محاميًا قبل ذلك. 

حالة خالد ليست استثنائيّة، ولا الوضع في بيت أمّر: جنود يدخلون إلى القرية يوميًّا ويعرقلون حياة السكّان. فتيَة يُعتقَلون، جنود يقتحمون المنازل في منتصف الليل، أموال وسيّارات تُصادَر من السكّان الفلسطينيين، وأحيانًا نيران يطلقها الجنود. هذه المُجريات هي سردٌ لحكاية ولد واحد في الثالثة عشرة من عمره، في قرية فلسطينية واحدة - ولكنّ الواقع الذي نَصِفه هنا جزءٌ من الصورة الكبرى والثابتة - صورة السيطرة والقمع اللّذين تفرضهما إسرائيل على جميع الفلسطينيين في أنحاء الضفة، كجزء من تكريس يوميّ ومتواصل لنظام الاحتلال. 

الموقع:

آخر الفيديوهات